محمد أبو زهرة
63
زهرة التفاسير
وإن الأوصاف السابقة لذات الله تعالى توجب على العبد التفكر في أمر الله تعالى وعبادته سبحانه ، فكان من بعد ذلك ذكر أحوال العباد الواجبة ، خاطبهم الله تعالى بكماله ، فخاطبوه بما يليق بهم أن يفعلوه ، وهو إفراده بالعبادة والاستعانة ، وأن يطلبوا منه الهداية إلى الصراط المستقيم . وإن العباد إذ يتدبرون صفات الذات العلية ، ويستحضرون جلالها ، وإفضالها ، وإنعامها وسلطانها يصلون في مداركهم إلى مرتبة المشاهدة الروحية لله تعالى ؛ ويرتفعون إلى إدراك ملكوت الله تعالى ليخاطبوه قائلين : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . ولقد قال في هذا المقام العلامة أبو السعود في تفسيره : « إن حق التالي بعد ما تأمل فيما سلف من تفرده تعالى بذاته الأقدس المستوجب العبودية بامتياز ذاته عما سواه بالكلّية ، واستبداده بجلائل الصفات وأحكام الربوبية المميزة له سبحانه عن العالمين ، وافتقار الكل إليه في الذات والوجود ابتداء وبقاء منه ، أن يترقى من رتبة البرهان إلى طبقة العيان ، وينتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهود ، ويلاحظ نفسه حاضرا في محاضر الأنس كأنه واقف لدى مولاه ، ماثل بين يديه ، وهو يدعو بالخضوع والإخبات ، ويقرع بالضراعة باب المناجاة قائلا : يا من هذه شؤون ذاته وصفاته نخصك بالعبادة والاستعانة ، فإن كل ما سواك كائنا ما كان بمعزل عن الوجود فضلا عن استحقاق أن يعبد أو يستعان » « 1 » . وإن الارتفاع إلى مقام المشاهدة ، ومخاطبة الله تعالى هو الذي من أجله كانت - أي الفاتحة - واجبة التلاوة في كل ركعة من ركعات الصلاة ؛ لأن الصلاة وقوف بين يدي الديان ، واتجاه إلى حضرته العلية ، ومشاهدة روحية .
--> ( 1 ) تفسير أبى السعود : ج 1 ، ص 18 .